الاثنين، 11 فبراير 2019

جدتي تطلب الطلاق


أحمد ناصر
قال لي أحد الأصدقاء قبل عدة أيام إن زوجته طلبت الطلاق.. توقفت عند هذه الكلمة كثيرا، ليس لأن الموضوع متعلق بالطلاق، فهذه الكلمة أصبحت عادية للأسف الشديد، لكن لأن هذا الصديق «جدّ»


وزوجته «جدّة» ولديهما أربعة أحفاد، ويفترض أن الحياة استقرت بهما عند هذا الحد، فما الذي طرأ على حياتهما؟
حين سألت عن هذا الموضوع اكتشفت أنها ليست الحالة الوحيدة، بل هناك العديد من الحالات الشبيهة، إنها حالة تغير جديدة في مجتمعنا الصغير ولا بد من الوقوف عندها، وبدأت أتخيل ذاك الطفل الذي يتحدث مع أصدقائه ويقول لهم «جدتي تطلب الطلاق!».
أجريت بحثا وتحقيقا في هذا الموضوع، وقابلت العديد من الحالات، وكانت من أهم الملاحظات فيه أن المرأة في جميع الحالات هي التي تطلب الطلاق، وكلهن لا يشعرن بالحرج من التحدث في هذا الموضوع.
أم وائل هي أول من قابلتها في هذا الموضوع، التقيتها عند أحد المحامين الأصدقاء. مضى على زواجها 24 سنة تقريبا (هذه الكلمة هي التي قالتها لي ولا تعلم بالتحديد كم مضى على زواجهما، وربما لا تريد أن تعرف) لديها أربعة أولاد وحفيدان، رفعت قضية طلاق ضد زوجها بالرغم من عدم وجود أي مشاكل بينهما.

لماذا تريدين الطلاق بعد هذا العمر؟

- تزوجت أبا وائل بعد قصة حب جميلة، ولكن الأمور تغيرت بعد الزواج.

● وما الذي تغير إذا لم تمانعي في هذا السؤال؟

- كنت أعتقد أن الحب سيبقى كما هو، وأن الحياة بيننا ستكون وردية طوال الوقت، لكنني فوجئت بأن الزواج يختلف اختلافا كبيرا عن الحب، ثم فوجئت أكثر عندما وجدت نفسي فجأة في خضم الأعمال اليومية.. تدريس وإشراف وتربية ومتابعة، وهكذا تمضي الحياة بي من دون أن أشعر بأنني أستمتع بها.

(بتعجب) وهل تحلو الحياة إلا بهذه الأمور؟! كل شيء يهون من أجل الأسرة، أليس كذلك؟

- (لامبالاة) كان هذا رأيي في البداية، لكن عندما بدأت أشاهد النساء في التلفزيون كيف يستمتعن بحياتهن، وأرى صديقاتي كيف يقضين وقتهن في المطاعم والسينما والحفلات والتسوق والسفر، قررت أن أعيش حياتي لوحدي، قدمت كل شيء لزوجي وأولادي والآن جاء دوري ليتركني في حالي وأستمتع بحياتي.

لماذا لا تقضين حياتك برفقة زوجك؟ هكذا تكون المتعة أكثر.

- زوجي يذكرني بمسؤولياتي، أريد أن أعيش كما تعيش نجمات هوليوود!

أليست المتعة مع الأحفاد أجمل من ترهات هوليوود؟

- أستطيع أن أرى أحفادي في أي وقت.
أخاف من عمري
لم يقنعني كلام أم وائل فهي تنظر إلى الحياة من واقع شاشة التلفزيون التي أمامها، ولا تنظر إلى أعمق من ذلك. أشفقت عليها من حياتها القادمة المبنية على سراب هوليوود، وتابعت بحثي عن مثل هذه الحالات وهل يمكن أن تكون هناك نساء يفكرن بطريقتها نفسها؟
ولم يطل بحثي.. قالت لي إحدى قريباتي الطبيبات إن مريضة لديها طلبت الطلاق وهي جدة، لم تكن قريبتي تعلم بأنني أبحث عن هذه الحالات، فطلبت منها أن التقيها.
فاطمة - ولا تحب أن يناديها أحد باسم أم علي- امرأة ناضجة على أبواب العقد الخامس من عمرها، تنظر إلى الأمور بواقعية كبيرة ولا تغرها المظاهر -كما تقول- لكنها تحب الحياة وتخاف تقدم العمر والشيخوخة. وهي أم لولد وبنت ولديها حفيدة واحدة، انفصلت أخيرا عن زوجها بعد ولادة حفيدتها بشهرين تقريبا، سألتها عن سبب الطلاق فقالت بكل راحة:
- كوني في أسرة ينادونني بـ«الجدة» هذا الأمر يسبب لي قلقا كبيرا، أعترف بأنني أخاف من تقدم السن، وطلبت الطلاق هربا من الواقع الذي أعيشه، وجودي في البيت مع زوجي سيصيبني بالجنون، فهو يحب الأطفال ويلاعبهم باستمرار، وهذا التصرف يشعرني بأنني أصبحت جدّة بالفعل وأن العمر يمضي بي سريعا.

(تعجب) إذا جلست لوحدك هل سيتجاوزك العمر ولن يمضي بك؟

- على الأقل لا أرى أمامي من يشعرني بأن السن تقدمت بي، حاولت أن أتحمل عبء الحياة طوال الفترة التي مضت، ولكن لكوني أمًّا يختلف عن كوني جدة، هذا شعور صعب على المرأة!

صعب عليك أنت وحدك ولا تعممي هذا الشعور على النساء.

- أنتم معشر الرجال لا تبالون بهذه المشاعر، لذلك يمكن أن تمارسوا ضغطا على النساء من دون أن تشعروا بأنكم تقتلون المرأة في اليوم الواحد مائة مرة (!) لا أستطيع أن أتخيل نفسي وأنا برفقة زوجي ومعي حفيدتي.. هذا شعور يقتلني، ففضلت أن أبتعد لكي أعيش حياتي بعيدا عن أجواء هذه العلاقات القاتلة.

● كيف تقبلت التغيير في حياتك بعد هذا العمر؟

- لا أخفي عليك أنني أشعر بالغربة وأنا لوحدي، هذا شعور غريب عليَّ لم أعتد عليه، لكنه سيصبح أمرا عاديا مع مرور الأيام.

هل تبدئين حياتك من البداية أم من حيث أنت الآن؟

- أبدأها من الآن، لم أترك حياتي الماضية ولم أنسها، فلي فيها ذكريات جميلة ورائعة، لكنني أبدأ حياة جديدة الآن، أنا موظفة وعندي راتبي الخاص، وأقضي وقتي بين القراءة والاطلاع والسفر وزيارة والدتي والسينما.
أمارس هوايتي!
لم يكن هذا التحقيق صعبا كما هي الحال في التحقيقات الاجتماعية الأخرى، بل كان سهلا للغاية على غير ما توقعت، ربما كان لسن النساء اللواتي تحدثت معهن ونضوجهن دور في تمتعهن بالثقة التامة بأنفسهن للتحدث بكل راحة، ولذلك كان الحصول على عينة من هذا التحقيق وحالات يمكن أن يتحدثن معي سهلا جدا.
في أحد معارض التصوير الشهيرة في الكويت لفت نظري وجود امرأة تكبرهن في السن، سألتها عن بداية ممارستها لهواية التصوير فقالت إنها بدأت قبل 30 سنة تقريبا عندما كانت في الجامعة، ثم تركتها بسبب ارتباطاتها بالأسرة والآن عادت إليها، ثم همست بصوت منخفض:
- بعد انفصالي عن زوجي أخيرا تفرغت تماما لهوايتي القديمة.
تحرك الفضول الصحفي داخلي، فسألتها على الفور:

أصدقيني القول هل طلبت الطلاق من زوجك لكي تتفرغي لممارسة هوايتك؟

- (ابتسمت) نعم.

● ولكن كيف طرأ عليك مثل هذا الموضوع!

- أنا أم لخمسة أبناء ذكور وإناث وجدّة لحفيدين مثل القمر(!) ولكنني أشعر بأنني لا أستطيع أن أتابع حياتي كجدة وأم.

(قاطعتها) وزوجة؟

- طبعا وزوجة وهذا هو السبب الأول. أنا حاليا أبلغ الخمسين من عمري، وآن الأوان لكي أمارس حياتي وهوايتي، قدمت لأسرتي كل شيء منذ أن كنت في ريعان شبابي واليوم يجب أن ألتفت إلى نفسي.

● لماذا لا تمارسين هوايتك مع زوجك وتتابعان الحياة معا؟

- كل أبنائي تزوجوا والحمد لله، وزوجي مشغول جدا بالبورصة، وهي زوجته ولست أنا، فلماذا أرتبط به ونحن الاثنان في واديين مختلفين؟ أفضل أن أمارس هوايتي لوحدي.

● هل واجهت ضغوطا منه أثناء ممارستك للهواية؟

- أخلاقي وتربيتي تفرضان عليَّ أن لا أفعل أي شيء من دون إذن زوجي، ولذلك فضلت أن أنفصل عنه لكي أمارس حياتي كما أريد.
أجداد
حاولت التحدث مع الأزواج (الأجداد) الذين انفصلوا عن زوجاتهم بعد أن أصبحن جدات، ولكنهم جميعا رفضوا التحدث معي، وعبروا جميعا عن استغرابهم لطلب الزوجة الطلاق بعد أن تجاوزوا مرحلة المشاكل والخلافات بنجاح، وهم في فترة الاستمتاع بالأحفاد وليس العيش بمفردهم، كما لم يبد أحد الأبناء الذين التقيتهم أي أهمية حول الموضوع عندما سألته عن رأيه في انفصال جدته عن جده، ولكنه علق بكلمة مختصرة «أرجو أن لا يعيرني ربعي بهذا الموضوع».

  شهر الخير   هل الاحتفال بهذا الشهر فرحاً بمولده و قدومه ؟ أم أننا نزيّن أفراحنا و مناسباتنا بذكره ؟ صلى الله عليه و سلم ...