تتزين بالفن وموسيقى والجمال
وهران.. لن تنسى أيامك فيها
وهران- أحمد ناصر
عندما نادى قائد الطائرة "بدأنا هبوط التدريجي في مطار أحمد بن بيلا في وهران" دارت في مخيلتي الكثير من الصور والمشاهد عن هذه المدينة التي أجهلها تماماً، فهي زيارتي الأولى لها وأصدقائي الذين لم يزوروها أيضاً ساعدوني في رسم هذه الصورة والملامح التي كانت في مخيلتي عنها، نزلت الطائرة وهبطنا في المطار الصغير جداً.. ختمت جوازي وأخذت حقائبي ومررت من حاجز الجمارك، كل هذا لم يغير شيئا من الصورة التي رسمتها لوهران، ولكن عندما جلست في التاكسي متوجها إلى الفندق تغيرت الصورة في ذهني عن هذه المدينة بالكامل وكأنني قلبت الصفحة.
ابتسامة سائق تاكسي كانت كافية في البداية للترحيب بي وكأن المدينة تقول لي "أهلا بك في وهران"، وصلت الفندق بعد ١٥ دقيقة تقريبا، كان حجزي جاهزا وبطاقة (كرت) دخول الغرفة في يدي خلال عشر دقائق فقط، هذا أمر جيد في الوطن العربي، ففي غالبية الفنادق العربية لن تدخل غرفتك خلال هذا الزمن القصير، فتحت نافذة الغرفة واستنشقت هواء عليلا جميلا، أنا الآن في وهران مدينة الموسيقى.. درجة الحرارة هنا في شهر أكتوبر لا تتجاوز ٢٠ في أقسى ساعات النهار، خرجت من الغرفة لأستكشف المدينة أو على الأقل المنطقة القريبة مني كعادتي في أول وصولي.. في المصعد الجميع يبتسم ويسلم، وفي لوب الفندق الجميع يبتسم ويرحب، وعند باب فندق كذلك وفي الطريق أيضاً، لم أتوقع أن الوهرانيين ودودون إلى هذه الدرجة.
ساحة الشهداء
كانت ساعة الغداء، فطلبت من التاكسي أن يأخذني إلى وسط المدينة وإلى أقدم مطعم هناك، فذهب بي إلى ساحة الشهداء وهي الساحة الشهيرة في المدينة وتسمى أيضاً ساحة الأوبرا لأن مسرح الأوبرا يقع فيها، أول ما يلفت النظر في هذه الساحة تنوع الملامح والمعالم فيها، فهي مزيج بين التراث الأوروبي المتمثل بالفرنسيين والإسباني والعثماني التركي وأخيرا العربي.. لا يمكن لأي سائح يزور وهران ويقف في هذه الساحة دون أن يقف لحظات ليتأمل هذا المزيج الثقافي الجميل، لم تكن الساحة منازل وبنايات ولكنها كانت مسرحية أوبرالية خرجت من المسرح الأوبرالي فيها لتعرض لزوار المدينة على الهواء مباشرة.
لا يوجد في هذه الساحة مقاهٍ مع أنها مكان حيوي يضج بالنشاط والحيوية والحركة في جميع الاتجاهات سوى مقهى واحد فقط، كان بالنسبة لي فرصة للراحة ومشاهدة المكان الجميل، لن يختلف اثنان على أن هذا المقهى الفريد في هذا المكان يتجاوز عمره قرنا من الزمان.. ولم أكن مخطئا في ظني لأن عمره 120 سنة تقريبا كما قال لي الجرسون بناه أحد الخبازين العرب المشهورين في هذا المكان وجعله كانا لتجمع الجزائريين القادمين من المناطق خارج وهران، لا يزال هذا المقهى كما هو لم يتغير فيه أي شيء سوى الناس الذين كانوا يعملون فيه أو يرتادونه، قدم لي الجرسون الشاي بابتسامة وهرانيه أصيلة، وقال لي الكأس الأولى بنصف السعر، ولأنك من الكويت فزيارتك الأولى لنا كلها مجانية.
الأمير عبدالقادر
اقتربت الشمس من المغيب وأنا أتجول في ساحة الأوبرا والمناطق القريبة منها، ثم انتقلت إلى شارع الأمير عبدالقادر الشهير، وهو من الشوارع الشهيرة جدا في المدينة ويعتبر قلب المدينة التجاري النابض، وصلت إليه بالتاكسي في دقائق معدودة، لم تكن الزحمة فيه أقل من الزحام في ساحة الأوبرا، ولكن الوضع هنا يختلف.. الناس تسير بسرعة ولا تتوقف أو تنتظر الآخرين، الكل مشغول بنفسه ويتحرك بسرعة، لم يكن هناك من يمكن أن أسأله عن مكان أو حاجة، الجميع مستعجل.. المتسوقون والعابرون للطريق والسائرون على الرصيف كلهم مستعجلون، لفت هذا الأمر نظري بشدة فسألت أحد الباعة عن هذا الموضوع فأجاب مبتسما "هذا الطريق لا يتوقف أبدا، والناس فيها لا يقفون إلا عندما ينتظرون الترام" كان كلامه صحيحا.. عند محطة الترام كان الجميع يقف هادئا وصامتا ينتظر وصوله، والترام جديد في المدينة استحدث قبل أربعة أعوام فقط عندما أحيل الترام القديم على التقاعد واستبدل بالجديد، مما زاد من الحركة في شارع الأمير عبدالقادر، ومع دخول الليل في هذا الشارع يتغير الحال ويصبح مكانا للراحة وشرب الشاي الوهراني الأصيل (مزيج من الشاي الأسود والأخضر مع الهيل) وتنتقل الحركة فيه إلى سكون، بينما السيارات تفسد هذا السكون فيه.
عين الترك
خرجت في اليوم التالي مبكرا لكي أزور سوق السمك فيه، قال لي أحد الجالسين في المقهى أن عمر هذا السوق يتجاوز 1000 سنة وأنه لا يزال يقام في نفس المكان، ذهبت إلى ميناء وهران حيث يقام السوق، التقيت رجلا مسنا جالسا على كرسي أعتقد أن عمرهما متقارب، كان ينظر إلى البحر بعمق دفعني لسؤاله هل له ذكريات مع الميناء، توقعت أن يفجر سؤالي "جربة" من الذكريات عنده وأنه لن يسكت وهو يحدثني عن ذكرياته مع الميناء، ولكنه فاجأني بأن قال لي جملة مختصرة جدا " في هذا الميناء دخل الرومان إلى أفريقيا ومنه خرج العرب المسلمون إلى أوروبا، ومنه دخل الإسبان ومنه عاد العرب بعد أن طردوا من الأندلس ومنه دخل الفرنسيون ومنه خرجوا".
سوق السمك في وهران متميز وسياحي، يشعر السائح وكأنه في حفل موسيقي.. الباعة يغنون من اول افتتاحه إلى قبيل المغرب عند إغلاقه، ويتوقفون في ساعات الصلاة والغداء، تباع فيه أنواع نادرة من الأسماك لا توجد إلا في البحر الأبيض المتوسط، ولذلك يكثر التصوير الفوتوغرافي خاصة من سياح سفن الكروز التي تتوقف في وهران، وفي أطرافه مطاعم تقدم الطعام البحري بنكهات وهرانية لا تصنع إلا في سوق السمك، ومع دخول وقت الغداء ذهبت إلى أحد هذه المطاعم فلم أجد لي كرسيا واحدا من زحمة السياح فيها، فخرجت من السوق وتوجهت إلى منطقة أخرى قريبة منه تسمى "عين الترك" وهي من المناطق القديمة جدا في وهران، كما تعتبر من المناطق الهادئة الجميلة التي تقع على البحر مباشرة ومنازلها صغيرة وجميلة وملونة، وتنحدر من الأعلى على الأسفل لأنها تقع على منحدر جبلي يلتقي بالبحر، وفيه مطعم مشهور اسمه Le Inn وهو من المطاعم القديمة التي تحمل عبقا وتراثا وفيه جانب آخر من الحياة المعاصرة.
سيدي الهواري
من يزور وهران لابد وأن يعطي نفسه وقتا لزيارة منطقة "سيدي الهواري"، هذا ما قاله لي الجرسون في مطعم Le Inn حيث تناولت وجبة الغداء، ذهبت إلى هناك مع سائق تاكسي لم يكن مجرد سائق.. بل كان أفضل مرافق سياحي قابلته هناك، قدم لي وصفا تاريخيا لهذه المنطقة القديمة جدا في وهران، كما قدم لي تسلسلا تاريخيا لأحدث مرت بها المنطقة، إلى جانب شرحه لأسباب هجر العديد من ابنائها والأسر القديمة فيها لها إلى وسط وهران،
إنسان عالمي
تعتبر أشكال الوهرانيين حاليا مزيجا وخليطا من العرق العربي وهو أصل المدينة والعرق الأمازيقي الذي جاء إليهم من الصحراء مع التوسع والعرق الأوروبي بعد أن اختلط الجزائريون مع الفرنسيين والإسبان والعثمانيين الأتراك، وشكل هذا التمازج شكلا جديدا للإنسان الوهراني.. فالرجال طوال القامة حادو الملامح مع سماحة في الوجوه، أما النساء فرشيقات وبيض البشرة ولون شعورهن وبيض البشرة، ولون شعورهن أشقر يميل إلى البني وهن جميلات.. فنادرا ما تشاهد امرأة غير جميلة في وهران.
ملتقى الأديان
تعتبر كنيسة سانت ماريا معلما سياحيا من أهم المعالم السياحية العالمية التي يزورها السياح في وهران، وهي تقع على قمة الجبل المقابل للمدينة، ويمكن مشاهدتها من بعيد، كانت ديرا لراهبة قدمت من إسبانيا وعاشت في هذا المكان، ثم تحولت إلى كنيسة بناها الإشسبان تخليدا لذكرى هذه الراهبة عندما قدموا إلى وهران، ثم تهدمت بسبب الزلزال وأعيد بناؤها سنة 1680 وعندما دخل العثمانيون وهران بنوا عند الكنيسة مسجدا، فأصبح المكان مع الزمن ملتقى للحضارات والأديان.