يضحكون بألم،
ويبتسمون بدموع ساخنة..
أحمد ناصر
قال لي أحد الفنانين يوما وهو يرشف من فنجان قهوة وكأنه يريد أن ينسى هما يحرقه "هل تشتري مني الشهرة وتعيدني إنسانا عاديا؟" يومها استغربت قوله هذا ولم أفهمه، ولكن بعد التصريح الساخن جداً الذي قالته شجون قبل شهرين تقريبا جعلني أفهم ما قاله الفنان الشاب فهما صحيحا.
يعرف الجمهور الفنانين وفق ما يرونهم على الشاشة، فشجون على سبيل المثال شابة تعيش يومها وتضحك وكأنها ألقت كل شيء وراء ظهرها، ولكن عندما قالت تشريحها "الناري" ظهرت بتوجهها الطبيعي.. حزينة ومتألمة وكئيبة، لم تستطع أن تخفي ألمها ولا دموعها بالرغم من ابتسامتها التي لم تكن مشرقة كما عرفناها، إذن كانت تبتسم بألم وحزن.
وحال الكثير من الفنانين ليس أفضل من شجون، وإن كان لكل منهم معاناته الخاصة، وعندما تمعن النظر في في الوسط الفني سترى أشياء مختلفة عن التي تراها على الشاشة، فنانون والفنانات يعيشون حالات اكتئاب كبيرة وظروفهم الخاصة مؤلمة لدرجة يرق لهم القلب ويحزن لهم الخاطر.
أسر لي يوما الفنان الكبير الراحل عبدالعزيز النمش في أيامه الأخيرة وبالتحديد في حفل تكريمه الذي أقامته له وزارة الإعلام إنه يضحك من الخارج ويبكي من الداخل، لم أدرك هذا السر في ذلك اليوم.. ولكنني كنت على يقين بأنه كان يعني كل كلمة قالها، وهو الذي أضحك الملايين في الخليج والوطن العربي ولا يزال، ولكن هذه الروح الجميلة عجزت عن أن تضحك نفسها.
وفي منتصف رمضان الماضي اتصلت بالفنان الكبير عبدالحسين عبدالرضا لأهنئه على نجا مسلسله "أبو الملايين" وكان يومها في لندن يقضي فترة نقاهة.. فقال لي "الفنان يحترق ولا يعرف أحد عنه شيئا، بعد كل مسلسل لازم أتعب بس ما أصرح ولا أقول.. أهم شئ إن الجمهور يستمتع بما نقدمه له" كان صوته مجهدا وينتهد كثيرا، ويبدو من صوته الإعياء والجهد، بينما نحن نجلس أمام الشاشة ونستمتع بأحداث مسلسل الجميلة، وهو في لندن يعاني التعب
كثير من الفنانات يعشن حالة اكتئاب ولكن لا يراها المشاهد، لأنه يرى ما يعرض على الشاشة، أما الحقيقة لا يعلم به إلا الله، فما إن تنتهي من التصوير حتى تعود إلى المنزل لتواجه ظروفا قاسية ومسئوليات ربما يعجز عنها أشد الرجال قوة.
إحدى الفنانات أخذ طليقها منها أبناءها الثلاثة بحكم محكمة، وفي اللحظة التي أخذوا منها اتصل بها مدير الإنتاج ليطلب منها الحضور فورا لتصوير بقية مشاهد وعندما طلبت منه السماح لها اليوم فقط هددها باللجوء إلى القضاء وأنه ليس مسئو عن مشاكلها بالخاصة(!) فاضطرت للذهاب والتصوير وقلبها مكسور على أبنائها.
لا يغرنكم ابتسامة النجوم والفنانين في البرامج والمسلسلات، فكثير منهم يحمل في قلبه هما كبيرا وحزنا عميقا، تعجز عن حمله الجبال، ومع ذلك فعليه أن يظهر للجمهور غير ذلك، فياله م معاناة حقيقية.. قال لي أحد النجوم الشباب إنه يحمل على عاتقه هم إخوته الصغار، فهم لا يملكون الجنسية ولديهم احتياجاتهم الخاصة التي يصعب تحقيقها، ويبقى طوال الفترة يفكر في تدريسهم ومستقبلهم، ومع ذلك فكل الجمهور يعتقد أنه مبسوط في حياته لأنه كثير الضحك، وإذا قابلوني في الخارج فأنا مضطر لأبتسم لهم، هذه معاناة ولكن علي أن أخفي همي عن الآخرين وأضحك معهم ثم أبكي لوحدي.
هذا فيض من غيض في حالة الفنانين والفنانات الذين نراهم على الشاشة وهم يضحكون، ولك حين يخلون بأنفسهم يبكون حرقة بسبب ظروفهم الخاصة ومعاناتهم التي لا يعرفها أحد، فهم يضحكون بألم ويبتسمون بدموع حارقة، وقبل أيام قليلة التقيت فنانا كوميديا مشهورا جداً، أعرفه منذ سنوات طويلة.. التقيت به داخل وخارج الكويت، ولكنني قبل أيام فقط عرفت أنه يعاني من الوحدة وأنه بقدر ما يضحك الجمهور في أعماله وفي المسرح.. يعود إلى بيت الصغير ويغلق عليه بابه ويبكي لوحده من دون أن يعرف عنه أحد شيئا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق